الحارث المحاسبي

99

الرعاية لحقوق الله

وكذلك رأينا أهل الدنيا : إذا أراد أحد منهم أن يحكم شيئا من أمر دنياه من تقدير عمل يعمله أو حساب يريد أن يحكمه ، منع سمعه وبصره أن يشتغل بشئ غير ذلك ، ومنع قلبه أن ينظر في غير ذلك ، كراهية ألا يحكم حسابه إن شغل قلبه بالفكر في غير ذلك ، أو نظرت العين أو استعمت الأذن إلى شئ غير ذلك مال إليه العقل فاختلط عليه حسابه ، فإذا قطع العبد شغل جوارحه عن الدنيا في وقت فكرته ، ومنع قلبه من النظر في شئ من الدنيا اجتمع همّه ، فإذا اجتمع همّه ثم تفكر بالتوكل على الرحمن جلّ وعزّ لا على عقله ، فتحت له الفكرة بمنة اللّه عز وجل ، لأن العبد قد يغفل عند ذلك إذا اجتمع همّه واتكل على عقله لما يعرف من فطنته ، وقد يوسوس له العدو أن الفكرة إنما كانت تستغلق عنك باشتغالك ، فأما إذا أحضرت همّك فإنها تستفتح لك الفكرة ، فيتكل على عقله وينسى ربه تعالى ، فأخاف ألا يفتح له ما يريد من خير . ومن ذلك حديث سليمان النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، في الولد ، أنه قال : « لأطوفنّ الليلة بمائة امرأة فتحمل كل امرأة بغلام ، ثم ليقاتلنّ فرسانا في سبيل اللّه ، ولم يقل إن شاء اللّه » فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « فما حملت منهنّ إلّا امرأة واحدة جاءت بشق غلام » قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لو قال : إن شاء اللّه لكان كما قال » « 1 » . فإذا تفكر في المعاد بتخويف نفسه عظم قدر العذاب عنده ، فإذا عظم قدر

--> ( 1 ) الحديث عن أبي هريرة ، أخرجه البخاري في الجهاد 6 / 34 ( 2819 ) ، وفي أحاديث الأنبياء 6 / 458 ( 3424 ) ، وفي النكاح 9 / 339 ( 5242 ) ، وفي الأيمان والنذور 11 / 524 ( 6639 ) ، وفي كفارات الأيمان 11 / 602 ( 6720 ) ، وفي التوحيد 13 / 446 ( 7469 ) ، ومسلم في كتاب الأيمان 3 / 1275 ، 1276 ( 1654 ) ، والترمذي في النذور والأيمان 5 / 131 ( 1571 ) ، والنسائي في الأيمان والنذور 7 / 25 ، وأحمد 2 / 229 ، 275 ، 506 .